فخر الدين الرازي
271
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ لأن ذلك يدل على أنهم لا يقربونه فكأنه قال : لا يقربونه إلا مقاربة من غير مواقعة وهو اللمم . ثم قال تعالى : إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ وذلك على قولنا : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ ابتداء الكلام في غاية الظهور ، لأن المحسن مجزى وذنبه مغفور ، ومجتنب الكبائر كذلك ذنبه الصغير مغفور ، والمقدم على الكبائر إذا تاب مغفور الذنب ، فلم يبق ممن لم تصل إليهم مغفرة إلا الذين أساؤا وأصروا عليها ، فالمغفرة واسعة وفيه معنى آخر لطيف ، وهو أنه تعالى لما أخرج المسئ عن المغفرة بين أن ذلك ليس لضيق فيها ، بل ذلك بمشيئة اللّه تعالى ، ولو أراد اللّه مغفرة كل من أحسن وأساء لفعل ، وما كان يضيق عنهم مغفرته ، والمغفرة من الستر ، وهو لا يكون إلا على قبيح ، وكل من خلقه اللّه إذا نظرت في فعله ، ونسبته إلى نعم اللّه تجده مقصرا مسيئا ، فإن من جازى المنعم بنعم لا تحصى مع استغنائه الظاهر ، وعظمته الواضحة بدرهم أو أقل منه يحتاج إلى ستر ما فعله . ثم قال تعالى : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى وفي المناسبة وجوه أحدها : هو تقرير لما مر من قوله : هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ [ النجم : 30 ] كأن العامل من الكفار يقول : نحن نعمل أمورا في جوف الليل المظلم ، وفي البيت الخالي فكيف يعلمه اللّه تعالى ؟ فقال : ليس عملكم أخفى من أحوالكم وأنتم أجنة في بطون أمهاتكم ، واللّه عالم بتلك الأحوال ثانيها : هو إشارة إلى الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير اللّه ، فإن الحق علم أحوالهم وهم في بطون الأمهات ، فكتب على البعض أنه ضال ، والبعض أنه مهتد ثالثها : تأكيد وبيان للجزاء ، وذلك لأنه لما قال : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا [ النجم : 31 ] قال الكافرون : هذا الجزاء لا يتحقق إلا بالحشر ، وجمع الأجزاء بعد تفرقها وإعادة ما كان لزيد من الأجزاء في بدنه من غير اختلاط غير ممكن ، فقال تعالى : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ فيجمعها بقدرته على وفق علمه كما أنشأكم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : العامل في : إِذْ يحتمل أن يكون ما يدل عليه : أَعْلَمُ أي علمكم وقت الإنشاء ، ويحتمل أن يكون اذكروا فيكون تقريرا لكونه عالما ويكون تقديره : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ وقد تم الكلام ، ثم يقول : إن كنتم في شك من علمه بكم فاذكروا حال إنشائكم من التراب . المسألة الثانية : ذكرنا مرارا أن قوله : مِنَ الْأَرْضِ من الناس من قال آدم فإنه من تراب ، وقررنا أن كل أحد أصله من التراب ، فإنه يصير غذاء ، ثم يصير نطفة . المسألة الثالثة : لو قال قائل : لا بد من صرف إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ إلى آدم ، لأن وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ عائد إلى غيره ، فإنه لم يكن جنينا ، ولو قلت بأن قوله تعالى / إِذْ أَنْشَأَكُمْ عائد إلى جميع الناس ، فينبغي أن يكون جميع الناس أجنة في بطون الأمهات ، وهو قول الفلاسفة ؟ نقول ليس كذلك ، لأنا نقول : الخطاب مع الموجودين حالة الخطاب ، وقوله تعالى : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ خطاب مع كل من بعد الإنزال على قول ، ومع من حضر وقت الإنزال على قول ، ولا شك أن كل هؤلاء من الأرض وهم كانوا أجنة . المسألة الرابعة : الأجنة هم الذين في بطون الأمهات ، وبعد الخروج لا يسمى إلا ولدا أو سقطا ، فما فائدة